فخر الدين الرازي

132

المطالب العالية من العلم الإلهي

المعنى : صورة ثم ركبت لأجل « 1 » ] تلك الصورة صورة ثانية ، وللثانية ثالثة . وأمعنت في هذه الانتقالات ، فانتهت بالآخرة إلى صورة لا تناسب المعنى الذي أدركته النفس أولا البتة . وحينئذ يصير هذا القسم أيضا من باب أضغاث الأحلام ، ولهذا السبب قيل : إنه لا اعتماد على رؤية الكاذب والشاعر ، لأن القوة المتخيلة منهما قد تعودت الانتقالات الكاذبة الباطلة [ واللّه أعلم « 2 » ] . الفرع الثاني : في كيفية الإضمار عن الغيب . اعلم أن النفس الناطقة إذا كانت كاملة القوة ، وافية بالوصول إلى الجوانب العالية والسافلة ، وتكون في القوة بحيث لا يصير اشتغالها بتدبير البدن عائقا لها عن الاتصال بالمبادئ المفارقة ، ثم اتفق أيضا أن كانت [ قوتها الفكرية « 3 » ] قوية الفكر قادرة على انتزاع لوح الحس المشترك عن الحواس الظاهرة ، فحينئذ لا يبعد أن يقع لمثل هذه النفس في حال اليقظة مثل ما يقع للنائمين من الاتصال بالمبادئ المفارقة . فحينئذ ترتسم من بعض تلك المفارقات صور تدل على وقائع هذا العالم في جوهر النفس الناطقة . ثم إن القوة المتخيلة لأجل قوتها تركب صورة مناسبة لها ، ثم تنحدر تلك الصورة إلى لوح الحس المشترك فتصير مشاهدة ، وعند هذه الحالة فقد يسمع ذلك الإنسان كلاما منظوما من هاتف ، وقد يشاهد منظرا في أكمل أبهة وأجل صورة وتخاطبه تلك الصورة بما يهمه من أحواله ، وأحوال من يتصل به ، ثم إن كانت هذه الصورة المحسوسة منطبقة على تلك المعاني التي أدركتها النفس الناطقة ، كان ذلك وحيا صريحا ، وإن كانت الصورة الخيالية مخالفة لذلك المعنى العقلي من بعض الوجوه ، كان ذلك وحيا محتاجا إلى التأويل . والصارف للقوة المتخيلة عن هذا التغيير والتبديل أمران : الأول : إن الصورة المنطبعة في النفس الناطقة الفائضة من جانب المبادي العالية ، إذا فاضت على نعت الجلاء والوضوح [ صارت تلك القوة مانعة

--> ( 1 ) من ( ل ) . ( 2 ) من ( ل ) . ( 3 ) من ( ل ) .